الشيخ محمد رشيد رضا
309
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
- والثاني على قولهم : قتلتا ورب الكعبة . إذا ظهرت أمارات القتل أو إذا قتل قومه وعشائره - والثالث باضمار قد أي قتلوا وقد قاتلوا اه . وأقول إن كلمة « وَقاتَلُوا » رسمت في المصحف الامام بغير ألف ككلمة « وَقُتِلُوا » والرازي لا يعنى بقوله قرأ نافع . . . « قاتَلُوا » بالألف ان الكلمة رسمت أو ترسم بالألف في المصحف وانما ذلك للتوضيح يعنى قرأوا بالفعل المشتق من المقاتلة . والحكمة في اختلاف القراءات هنا إفادة المعاني المختلفة باختلافها ومثل هذا كثير اما قوله تعالى ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فمعناه لأكفرن عنهم سيئاتهم وأدخلنهم الجنات أثيبهم بذلك ثوابا من النوع العالي الكريم الذي عند اللّه لا يقدر عليه غيره . والثواب اسم من مادة ثاب يثوب ثوبا أي رجع ، يقال تفرق عنه أصحابه ثم ثابوا إليه وفي المجاز ثاب اليه عقله وحلمه إذا كان خرج عن مقتضى العقل والحلم بنحو غضب شديد ثم سكت عنه غضبه . ومنه جعل البيت الحرام مثابة للناس ، فإنهم يعودون اليه بعد مفارقته ، ولذلك قال الراغب : الثواب ما يرجع إلى الانسان من جزاء أعماله فيسمى الجزاء ثوابا تصورا أنه هو هو ، ألا ترى كيف جعل اللّه تعالى الجزاء نفس الفعل في قوله « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ » ولم يقل جزاءه . والثواب يقال في الخير والشر ، لكن الأكثر المتعارف في الخير ، وعلى هذا قوله عز وجل « ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ » اه المراد وأقول : ان لفظ الثواب والمثوبة حيث وقع وما في معناه من ذكر الجزاء بالعبارات التي تدل على أنه عين العمل كل ذلك يؤيد المسألة التي أخذنا على نفسنا إيضاحها وإثباتها وكررنا القول فيها بعبارات وأساليب كثيرة ، وهي أن الجزاء أثر طبيعي للعمل أي إن للأعمال تأثيرا في نفس العامل تزكيها فتكون بها منعمة في الآخرة أو تدسيها فتكون معذبة فيها بحسب سنة اللّه تعالى ، فكأن الاعمال نفسها تثوب وتعود ، وليس أي الجزاء أمرا وضعيا كجزاء الحكام بحسب قوانينهم وشرائعهم . وقد أشار إلى هذا المعني بعض المدققين من العلماء لا سيما الصوفية كالغزالى ومحى الدين بن عربى . وإذا فقه الناس هذا المعنى زال غرورهم ولم يعتمدوا في أمر ما يرجون من نعيم